عمر السهروردي
242
عوارف المعارف
لأن القوة الحافظة والمتخيلة كلوح ينتقش بكل مرئى ومسموع ، فيكثر ذلك الوسواس وحديث النفس والخيال ، ويجتهد أن يحضر الجماعة بحيث يدرك مع الإمام تكبيره الإحرام ، فإذا سلم الإمام وانصرف ينصرف إلى خلوته ، ويتقى في خروجه استجلاء نظر الخلق إليه ، وعلمهم بجلوسه في خلوته ، فقد قيل : لا تطمع في المنزلة عند اللّه وأنت تريد المنزلة عند الناس . وهذا أصل ينفسد به كثير من الأعمال إذا أهمل ، وينصلح به كثير من الأحوال إذا اعتبر . ويكون في خلوته جاعلا وقته شيئا واحدا موهوبا للّه بإدامة فعل الرضا ، إما تلاوة أو ذكرا أو صلاة أو مراقبة ، وأي وقت فترعن هذه الأقسام ينام ، فإن أراد تعين أعداد من الركعات ومن التلاوة والذكر ، أتى بذلك شيئا فشيئا ، وإن أراد أن يكون بحكم الوقت يعتمد أخف ما على قلبه من هذه الأقسام ، فإذا فتر عن ذلك ينام ، وإن أراد أن يبقى في سجود واحد أو ركوع واحد أو ركعة واحدة أو ركعتين ساعة أو ساعتين فعل . ويلازم في خلوته إدامة الوضوء ، ولا ينام إلا عن غلبة بعد أن يدفع النوم عن نفسه مرات ، فيكون هذا شغله ليله ونهاره ، وإذا كان ذكرا لكلمة لا إله إلا اللّه وسئمت النفس الذكر باللسان يقولها بقلبه من غير حركة اللسان . وقد قال سهل بن عبد اللّه : إذا قلت لا إله إلا اللّه مد الكلمة وانظر إلى قدم الحق فأثبته وأبطل ما سواه وليعلم أن الأمر كالسلسلة يتداعى حلقة حلقة ، فليكن دائم التلزم بفعل الرضا . وأما قوت من في الأربعينية والخلوة ، فالأولى أن يقتنع بالخبز والملح ، ويتناول كل ليلة رطلا واحدا بالبغدادى ، يتناوله بعد العشاء الآخرة ، وإن قسمه نصفين يأكل أول الليل نصف رطل وآخر الليل نصف رطل فيكون ذلك أخف للمعدة ، وأعون على قيام الليل وأحيائه بالذكر والصلاة وإن أراد تأخير فطوره إلى السحر فليفعل .